أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

461

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ الجمهور على رفع « فعدّة » ، وفيه وجوه : أحدها : أنه مبتدأ والخبر محذوف : إمّا قبله تقديره : فعليه عدّة ، أو بعده أي : فعدّة أمثل به . الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : فالواجب عدّة . الثالث : أن يرتفع بفعل محذوف ، أي : فتجزيه عدّة . وقرئ « 1 » : « فعدّة » نصبا بفعل محذوف ، تقديره : فليصم عدّة . وكأن أبا البقاء لم يطّلع على هذه القراءة فإنه قال : « ولو قرئ بالنصب لكان مستقيما » . ولا بدّ من حذف مضاف تقديره : « فصوم عدّة » ومن حذف جملة بين الفعلين ليصحّ الكلام تقديره : فأفطر فعدة ، ونظيره : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ « 2 » أي : فضرب فانفلق . و « عدة » بمعنى معدودة كالطّحن والذّبح . ونكّر قوله « فعدّة » ولم يقل « فعدّتها » اتّكالا على المعنى . و « من أيام » في محلّ رفع أو نصب على حسب القراءتين صفة لعدّة . قوله : أُخَرَ صفة لأيّام . و « أخر » على ضربين : ضرب : جمع « أخرى » تأنيث « آخر » الذي هو أفعل تفضيل . وضرب جمع أخرى بمعنى آخرة ، تأنيث : « آخر » المقابل لأوّل ، ومنه قوله تعالى : قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ « 3 » . فالضرب الأول لا ينصرف ، والعلة المانعة له من الصرف : الوصف والعدل . واختلف النحويون في كيفية العدل ، فقال الجمهور : إنه عدل عن الألف واللام ، وذلك أن « أخر » جمع أخرى ، وأخرى تأنيث « آخر » وآخر أفعل تفضيل ، وأفعل التفضيل لا يخلو عن أحد ثلاثة استعمالات : إمّا مع أل وإمّا مع « من » وإمّا مع الإضافة . لكنّ « من ممتنعة لأنّها معها يلزم الإفراد والتذكير ، ولا إضافة في اللفظ ، فقدّرنا عدله عن الألف واللام ، وهذا كما قالوا في « سحر » إنه عدل عن الألف واللام إلّا أنّ هذا مع العلميّة . ومذهب سيبويه أنه عدل من صيغة إلى صيغة لأنه كان حقّ الكلام في قولك : « مررت بنسوة أخر » على وزن فعل أن يكون « بنسوة آخر » على وزن أفعل لأنّ المعنى على تقدير من ، فعدل عن المفرد إلى الجمع . ولتحقيق المذهبين موضع هو أليق به من هذا . وأما الضّرب الثاني فهو منصرف لفقدان العلة المذكورة . والفرق بين « أخرى » التي للتفضيل و « أخرى » التي بمعنى متأخرة أنّ معنى التي للتفضيل معنى « غير » ومعنى تيك معنى متأخرة ، ولكون الأولى بمعنى « غير » لا يجوز أن يكون ما اتصل بها إلا من جنس ما قبلها نحو : « مررت بك وبرجل آخر » ولا يجوز : اشتريت هذا الجمل وفرسا آخر لأنه من غير الجنس . وأمّا قوله : 843 - صلّى على عزّة الرّحمان وابنتها * ليلى وصلّى على جاراتها الأخر « 4 » فإنه جعل ابنتها جارة لها ، ولولا ذلك لم يجز . ومعنى التفضيل في آخر وأوّل وما تصرّف منهما قلق ، وتحقيق

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 32 ) . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 63 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 49 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 34 ) .